محمد بن جرير الطبري
41
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
محالا إلا بعد وجود المأمور المتعبد . القول في تأويل قوله تعالى : وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . يعني تعالى ذكره بذلك : واعلم يا إبراهيم أن الذي أحيا هذه الأَطيار بعد تمزيقك إياهن ، وتفريقك أجزاءهن على الجبال ، فجمعهن ورد إليهن الروح ، حتى أعادهن كهيئتهن قبل تفريقهن ، عَزِيزٌ في بطشه إذا بطش بمن بطش من الجبابرة والمتكبرة الذين خالفوا أمره ، وعصوا رسله ، وعبدوا غيره ، وفي نقمته حتى ينتقم منهم ، حَكِيمٌ في أمره . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثنا ابن إسحاق : وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قال : عزيز في بطشه ، حكيم في أمره . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ في نقمته حَكِيمٌ في أمره . القول في تأويل قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وهذه الآية مردودة إلى قوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ والآيات التي بعدها إلى قوله : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ من قصص بني إسرائيل وخبرهم مع طالوت وجالوت ، وما بعد ذلك من نبإ الذي حاج إبراهيم مع إبراهيم ، وأمر الذي مر على القرية الخاوية على عروشها ، وقصة إبراهيم ومسألته ربه ما سأل مما قد ذكرناه قبل ؛ اعتراض من الله تعالى ذكره بما اعترض به من قصصهم بين ذلك احتجاجا منه ببعضه على المشركين الذين كانوا يكذبون بالبعث وقيام الساعة ، وحضا منه ببعضه للمؤمنين على الجهاد في سبيله الذي أمرهم به في قوله : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . يعرفهم فيه أنه ناصرهم وإن قل عددهم وكثر عدد عدوهم ، ويعدهم النصرة عليهم ، ويعلمهم سنته فيمن كان على منهاجهم من ابتغاء رضوان الله أنه مؤيدهم ، وفيمن كان على سبيل أعدائهم من الكفار بأنه خاذلهم ومفرق جمعهم وموهن كيدهم ، وقطعا منه ببعض عذر اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بما أطلع نبيه عليه من خفي أمورهم ، ومكتوم أسرار أوائلهم وأسلافهم التي لم يعلمها سواهم ، ليعلموا أن ما آتاهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله ، وأنه ليس بتخرص ولا اختلاق ، وإعذارا منه به إلى أهل النفاق منهم ، ليحذروا بشكهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يحل بهم من بأسه وسطوته ، مثل الذي أحلهما بأسلافهم الذين كانوا في القرية التي أهلكها ، فتركها خاوية على عروشها . ثم عاد تعالى ذكره إلى الخبر عن الذي يقرض الله قرضا حسنا ، وما عنده له من الثواب على قرضه ، فقال : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني بذلك : مثل الذين ينفقون أموالهم على أنفسهم في جهاد أعداء الله بأنفسهم وأموالهم ، كَمَثَلِ حَبَّةٍ من حبات الحنطة أو الشعير ، أو غير ذلك من نبات الأَرض التي تسنبل سنبلة بذرها زارع . " فأنبتت " ، يعني فأخرجت سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ، يقول : فكذلك المنفق ماله على نفسه في سبيل الله ، له أجره سبعمائة ضعف على الواحد من نفقته . كما : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ فهذا لمن أنفق في سبيل الله ، فله سبعمائة . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ قال : هذا الذي ينفق على نفسه في سبيل الله ويخرج . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ . الآية . فكان من بايع النبي صلى الله عليه وسلم